Wednesday, February 28, 2024

الأراجوز

 قصة قصيرة 


                                    ( الأراجوز ) 


أستيقظ من نومه بعدما أن ألقى الليل بعباءته السوداء على السماء، توجه للمطبخ قام بأعداد كوب من الشاى الثقيل كما أعتاد أن يتناوله ليتمكن من استعادة تركيزه، بسبب الصداع الذى يلازمه كلما أستيقظ فى ذلك الوقت.


عاد حاملا الكوب، جلس على الأريكة الصغيرة التى تتوسط صالة منزله، وضع الكوب على المنضدة الخشبية المتواجدة أمامه، ما أن فعل حتى رفع عينيه نحو أريكة أخرى فى مواجهته لا يفصلها عنه سوى المنضدة، أبتسم وهو يلقي تحية المساء على العرائس المتراصة عليها بجوار بعضها البعض وكأنهم يجلسون عليها.


مجموعة من العرائس القماش التى يقوم بصناعتها بنفسه، نظر للأرجوز ذو الملابس الحمراء وهو يخاطبه قائلا:

- أمامنا عمل شاق بالغد ياصديقي 


أبتسم وهو يهز رأسه وكأنما أجابه ذلك الأخير بأنه على أتم استعداد، وجهه نظره للدمية المتواجدة بجوار الأراجوز وهو يخاطبها قائلا:

- أتمنى أن تكون السيدة بصحة جيدة 


قالها وهو يقهقه بشدة، بعدما خيل إليه إنها تبتسم وتهز رأسها للأسفل لتجيبه إنها بخير.


لم يصبه الجنون، لكنه يتحدث إليهم ويستمع لأجابتهم، وكأنهم أشخاص حقيقين يعيشون معه، يعتبرهم كأفراد كعائلته، خاصة إنه يعيش بمفرده بعدما توفي والداه قبل عشرين عام وتركوه وحيدا.


تزوج من أحد الفتيات، إلا أن زواجه لم يكلل بالنجاح وقبل أن يكتمل العام، طلبت زوجته الطلاق.

حاول أن يثنيها عن قرارها كثيرا، لكنها كانت تخبره دوما أن شخصيته ضعيفة ولا تشعر لجواره بالأمان، 

حتى أنه فى أحد المشادات المتكررة فيما بينهما قامت بصفعه وهى تصرخ فى وجهه أن يطلقها.

تفاجأ مما فعلته، كانت تلك هى القشة التى قسمت ظهر البعير، فعل ما أرادته، خاصة انه لم يرزق منها بأطفال.


من يومها وهو يعيش بمفرده، بداخل المنزل الذى تركه له والده، تعينه على تحمل نفقات الحياة بعض المدخرات التى ورثها، بالأضافة لعمله بأحد الوظائف الحكومية، مما جعل الأمور المادية لا تشكل عبئا بالنسبة له على الأطلاق.


مشكلته أكبر من ذلك بكثير، دائما ما يشعر بأنه غير قادر على أتخاذ أى قرار حتى فى أبسط الأمور، أو الدفاع عن نفسه او المقربين منه.


كثيرا ما تتردد كلمات زوجته السابقة فى أذنه وهى تتهمه بالجبن، فيشعر بغصة فى حلقه، يعلم أن شخصيته ضعيفة، فكر فى الذهاب لأحد الأطباء النفسيين فى محاولة لإيجاد حل، لكن خوفه من المواجهة حال بينه وبين أن يفعل.


أعتاد على الهروب من أى موقف، لا يتذكر إنه اعتراض على شيئ من قبل، حينما يكلفه رئيسه فى العمل بأعمال أضافية يهز رأسه بالموافقة ويظل صامت، اقترض منه الكثيرين مبالغ مالية ولم يقوموا باعادتهم له، فلم يجرؤ على مطالبتهم بها، حتى جيرانه لم يسلم من أذاهم وتحرشهم الدائم به.


أصبح الجميع يعلم إنه شخص جبان لا يقوى على رد الإهانة مهما مبلغ مداها، فبناينه الجسدي الهزيل وقصر قامته كانا لهما أثر كبير فى ترسيخ ذلك الشعور بداخله.


كثيرا ما يتحدث لنفسه بأنه ليس بجبان كما يظن كل من يعرفه، لكنه يفضل الأبتعاد عن المشاكل قدر الإمكان، يود أن يعيش حياة هادئة لا أكثر.

ليجد صوت أخر يتردد بداخله ليخبره بأن كل ما يفكر فيه مجرد مبررات يحاول أن يخلقها لنفسه ليقنعها بعكس حقيقته، لكنه بالفعل شخص ضعيف الشخصية، وأن تلك الهواية التى أختارها لنفسه ماهى إلا متنفس له فى محاولة منه لتغيير حياته لبضع دقائق مدة العرض الذى يقدمه، يختبئ خلف الحاجز الخشبى يقوم بتغيير نبرة صوته لصوت الأراجوز الشهير، مظهرا ذلك الأخير بصورة البطل الشجاع الذى ينتصر فى النهاية.


تارة يجعل الأرجوز فارس همام لا يشق له غبار يواجه مجموعة من اللصوص يوسعهم ضربا على قيامهم بأختطاف حبيبته، ليعود بها فى النهاية منتصرا.


تارة أخرى تكون هناك مشكلة كبيرة تواجه الحي الذى يعيش به وبعدما تتأزم الأمور يخرج البطل  بخفة دمه المعتادة، وشجاعته التى لا يباريه فيها أحد لينهي المشكلة ويحظى بأعجاب أجمل فتيات الحي التى تخبره بحبها له وينتهي الأمر بزواجهما.


قام بصناعة الكثير من العرائس على هيئة مقاربة لأشكال الأشخاص الذين ينغصون عليه حياته، فتلك الدمية البدينة التى ترتدي النظارات تشبه مديره المتسلط، و تلك التى بجوارها طويلة القامة التى يجعلها تتحدث ببذائة فيرمز بها لجاره الكريهه الذى يؤذيه بحديثه ويسخر منه دائما، وبالنسبة لتلك المتواجدة فى نهاية الأريكة فقام بتصميمها لتشبه زوجته السابقة بصورة كبيرة وقد أستخدم فى صنعها بعض من ملابسها القديمة التى تركتها قبل رحيلها.


قام بتأليف العديد من المواقف لينتقم منهم فى حكاياته بعدما فشل فى أن يفعل ذلك فى الحقيقة، فمرة يثور الأرجوز على صاحب العمل الظالم ويواجهه بأفعاله المسيئة مما يجعله يتراجع عما يفعله معه.


مرة أخرى تحدث مشادة بين الأرجوز طيب القلب وبين الجار الذى لا يكف عن إلحاق الأذى به، وبعدما ينفذ صبره تحدث المواجهة بينهما، فيبرحه ضربا وهو يخبره بأن حلمه لم يكن سوى طيبة وتسامح لا خوف وجبن كما كان يعتقد.


تارة أخرى يوضح معاناة الزوج من زوجته سليطة اللسان وتحمله لأفعالها المشينة، حتى يفيض به الكيل ويقوم بتوجيه عدد من الصفعات لها على ماتفعله، لينصلح حالها بعد ذلك ويحيا الأرجوز حياة هانئة.


بعدما ينتهي من تلك العروض، يشعر بنشوة تسرى فى جسده، سعادة كبيرة تملأ قلبه، كانت عروضه البسيطة المتنفس الوحيد له بعيدا عن ما يعانيه من ضغوط الحياة، يهرب من الواقع المرير بعيدا بخياله، لكن سعادته لا تدوم طويلا ليستيقظ من أحلامه على حاضره القاسي الذى يصر دوما أن يذكره بضعف شخصيته.


بينما كان يقوم بصناعة أحد العرائس الجديدة التى سيقوم باضافتها لمجموعته ليقدم بها عرض جديد بأحد المدارس التى سوف يقوم بزيارتها فى الصباح، سمع طرقات على باب بيته، سقطت الدمية من يده بسبب الطرقات الغير متوقعة، بصوت مرتعش تحدث متسائلا عن هوية الطارق.


أتاه صوت طفل صغير   يعرفه بنفسه، أطلق تنهيده قوية وكأنه يلقي معها بالتوتر الذى اعتراه بسبب المفاجأة، أنحنى يلتقط الدمية، وضعها على المنضدة، نهض ليفتح الباب، ما أن فعل حتى ر

No comments:

Post a Comment

صبرت ظمأ عليك

 ✿✿✿((صَبِرْتُ ظمأ عليكِ))✿✿✿ صَبِرْتُ نَبتَةِ الصحراءِ  ظَمأً    عَليكِ عَقدٌ  مضىٰ   ولازلتُ   إتوقُ    اليكِ أما شاهدْتِ  السُنونو  عادَ ...