Friday, June 7, 2024

ذات الشريط الاحمر


 ذات الشريط الأحمر 


    قصة قصيرة بقلم نور                


في آخر سنة لي في الثانوية العامة إنتقلت الى فصلنا فتاة جديدة كنت أجلس في الصف المقابل للباب ونوافذه تطل للخارج ولأنها كانت قصيرة جدا وعندها ضعف نظر أجلسوها قبلي مباشرة .....كانت فتاة غريبة ممتلئة الجسم وبشرتها شاحبة جدا وكأن الدماء هربت منها لباسها غريب تنانير طويلة وقمصان بيضاء دائما نفس  النسق لا يتغير ...شعرها كان ناعما جدا كستنائي يميل الى الشقار وكانت تجدله بظفيرة قبل أن تنتهي تدخل فيها شريط ستان أحمر وتربطها في الأسفل ،هي فتاة هادئة خجولة حد الغموض قليلة التعاطي والكلام مع الآخرين إذا وجهت إليها كلاما تكون إجابتها الإبتسامة لا تأخد منها حقا ولا باطلا .......لأنها كانت هكذا لم أكن أقترب منها أو أحاول التحدث معها كي لا تنحرج وتنزعج مني .....لاحظت مع الأيام أنها كانت تغيب أحيانا يومين أو ثلاث أقل أو أكثر وتعود ،ولأنها لم تكن صديقة أحد فكرت كي لا يفوتها شيء في كتابة  كل الدروس التي تفوتها على أوراق منفردة ولما كانت تعود ودون أن أتكلم معها أو أسألها عن سبب غيابها دون أي حديث بيننا كنت أضع الأوراق أمامها وأكتب شرحا إضافيا على الهوامش لتفهم ما فاتها ....

وهي لم تكن تقول شيئا .....كنت ألاحظها وأنا أتحدث مع زميلاتي تقف غير بعيدة وأراها تبتسم من بعيد وكأنها تشاركنا  الحديث ولما أنظر إليها تنحرج ويحمر وجهها خجلا وتذهب ،بقيت على هذه الحال مدة وغابت في مرة ولكنها لم تعد ليصل خبر إلى أسماعناوقع علينا كالصاعقة وهي أنها ....توفيت ......نعم توفيت .......


      كانت مصابة بآلاتهاب رئوي حاد ولديها الكثير من المشاكل الصحية وغيابها الدائم كانت وعكات صحية متكررة  تدخل أحيانا الى المستشفى تتعالج وتعود للدراسة وكأن شيئا لم يكن ،إتفقت الفتيات للذهاب لتقديم واجب العزاء ....أنا لضروفي أجلت ذلك الى غد اليوم التالي كانت لدي فرصة ساعتين في المساء لغياب أحد الأساتذة خرجت وذهبت الى بيتها ،كان بابه مفتوحا لأن المعزين لا يزالوا يتوافدون لمواساة العائلة وقفت عند الباب وقرعت الجرس أتت الي فتاة أكبر مني بقليل خمنت أنها أختها وبمجرد أن عرفت عن نفسي وبأني زميلة إبنتهم في الثانوية وقلت إسمي .....فوجئت بردة فعل غريبة إحتضنتني الفتاة بقوة وأخدتني من ذراعي وهي تدفع بي الى الداخل و تنادي على  أمها  وأخواتها كل هذا في حركة واحدة ....أدهشني الموضوع وخرج الجميع أخبرتهم إبنتهم من أنا  .....لا أدري حالة السعادة التي أصابتهم وهم يسلمون ويرحبون بي أدخلوني الى غرفة الجلوس أحاطوا بي جلست والدتها بجانبي وهي تمسك يدي وبدأت بالحديث .....


         قال أنها سعيدة جدا لرؤيتي أخيرا وكانت تنتظرني ،تحدثت وكأنها تعرفني جيدا .....أخبرتني أنهم كانوا متشوقين ليتعرفوا على صديقة إبنتهم المقربة ،وبأنها  كانت لا تكف عن الحديث عني ،عن مساعدتي لها لاستدراك ما فاتها ،عن أحاديتنا المشوقة ،أخبرتهم أني أحب القراءة كثيرا شغوفة بالكتب وعيناي تلمعان وأنا أتحدث عن ذلك قالت لي والدتها وهي تشير لآبنتها أن الفقيدة إشترت لي هدية ولم يسعفها الوقت لتقدمها لي أحضرت أختها هدية مغلفة بإحكام ومربوطة بشريط أحمر  فتحتها وإذ هي كتاب كنت تكلمت عنه سابقا ...وهي كانت موجودة .....أخبرتني والدتها أيضا أنها كانت سعيدة جدا بصداقتنا وتفاصيلها وبأني كنت أربط شريط ضفيرتها كلما إنفك ....دون أن تطلب مني ذلك...


      وهنا  كان الموضوع أكثر من إحتمالي وإنفجرت باكية ....إنتابتني نوبة بكاء في حياتي لم أبكي على مخلوق كما بكيت الفقيدة حتى أشفقت علي والدتها وأخواتها وبدأن في تهدأتي ....إستجمعت قوتي وأنا أحتضن الكتاب بين ذراعي ودعتهم ورحلت .....


وبمجرد خروجي إنهمرت دموعي غزيرة لقد بكيتها وبحرقة شديدة ،بكيت الوقت الذي ضاع هباءا خجلها من جهة وبرودي من جهة أخرى ،بكيت الصداقة التي لم أكن أعرف عنها شيئا وفقدتها وأنا غافلة ،بكيت جهلي وعدم سؤالي وتقصيري بكيت لأني كنت صديقتها المقربة وأنا لا أدري وبكيت لأننا نعيش ونموت ونحن غرباء ....

تلك كانت قصتي مع شاحبة الوجه ذات الشريط الأحمر

ألف رحمة ونور على روحها رغم مرورها القصيرة في حياتي إلا أنها تركت بصمة وعلامة لا تنسى .....


                                                     بقلم نور

No comments:

Post a Comment

صبرت ظمأ عليك

 ✿✿✿((صَبِرْتُ ظمأ عليكِ))✿✿✿ صَبِرْتُ نَبتَةِ الصحراءِ  ظَمأً    عَليكِ عَقدٌ  مضىٰ   ولازلتُ   إتوقُ    اليكِ أما شاهدْتِ  السُنونو  عادَ ...